الأحد، 14 سبتمبر 2008

حمائم الكعبة نص سردي بقلم : وائل وجدي

إنها - المرة الأولى - للسفر ، خارج مصر ..
لم تكن قلقًا.. السكينة ، تسربلك ..
لم تأخذ وقتًا طويلاً ؛ في إنهاء إجراءات الوصول في " مطار المدينة المنورة " .. تجد الترحاب، والوجوه البشوشة..
ينتابك شعور غريب ؛ عقب الخروج من مطار المدينة المنورة ، واستنشاقك هواءها .. تألف المكان ؛ كأنك لم تبرح مصر ..
لم يكتنفك شعور الغربة .. يدهشك ؛ هذا الإحساس ؛ الذي يملأ قلبك وروحك ..
تركب أتوبيسًا، ينتظر أمام المطار، ليقلك إلى الفندق، الذي تقطن به في المدينة ..
... تناهى إلى مسامعك، تكبير إقامة صلاة الجمعة.. يقف الأتوبيس ؛ حتى يقوم الركاب بالصلاة .. تحاول أن تجد مكانًا للوضوء ؛ لكنك ، لم تفلح .. جميع المحلات؛ مغلقة في أثناء الصلاة.. ينتابك، الضيق الشديد؛ لعدم تمكنك من الصلاة ؛ على مدى بصرك؛ يفترش المصلين الأماكن الشاغرة .. تتابعهم ؛ من نافذة الأتوبيس ..
يقف الأتوبيس؛ بجوار الفندق... تأخذ حقيبتك ؛ تعرف الحجرة التي تقطن بها.. تضعها ؛ تنزل - متلهفًا - لدخول المسجد النبوي.. جميع المرئيات؛ لا تهمك .. خلاياك ؛ وإحساساتك ؛ تستغرقها ؛ هذه اللهفة ..
صوت: عمرو خالد - في شريط الحج والعمرة - يترامى إلى مسامعك ؛ والأصول المبتغاة ؛ عند دخول مسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم...
تقترب خطواتك من زمام المسجد ؛ رغم حرارة الشمس - الملتهبة - والصيام في شهر رمضان إلا أنك لم تشعر بثمة شيء.. الجمال، والبساطة؛ هما سمتان؛ تسترعيان الانتباه.. كلما تدنو خطوة من أحد أبواب المسجد ؛ تزداد خفقات قلبك.. ضياء يغشي بصرك ؛ رائحة زكية ؛ تملأ رئتيك .. كيانك؛ ينتفض..
تلمح المصري؛ السعودي؛ الصيني، المغربي ، السوداني .... يستند على أحد حوائط المسجد ؛ أو يهم بالصلاة؛ أو يسلم من الصلاة .. الكل سواسية؛ لا فرق بين هذا وذاك؛ الكل في ملكوت العبادة ..
أول ما تفعله؛ تصلي ركعتين تحية للمسجد النبوي الشريف.. عندما - تنتهي مباشرة - تقيم صلاة العصر ؛ ثم تنتظر صلاة المغرب..
قبل صلاة المغرب بنصف ساعة؛ تدهشك؛ كثرة من يدعوك؛ كي تفطر معه؛ الكل يحاول أن يأخذك إلى أحد أركان المسجد ؛ وضيافتك .. إذا رفضت؛ تجد الحزن باديًا على وجه من دعاك؛ وفي النهاية؛ تقبل دعوة الإفطار..
أذن المؤذن؛ لصلاة المغرب.. تلفى أمامك حبات التمر؛ كوب من الزبادي، قطعة خبز ، وكوب من ماء زمزم..
تشرب الماء - الذي لا يروى منه أبدًا - تأكل حبات التمر، و كوب الزبادي مع الخبز ، الطازج ..
يكبر لإقامة صلاة المغرب ؛ تصلي بكل خلجاتك ؛ وتذوب فيها..
بعد صلاة السنة؛ تجد نفسك؛ متعبًا.. في حاجة للنوم؛ دقائق معدودة.. تضع يدك، تحت رأسك؛ تذهب في سبات عميق؛ لم تصحو إلا على من ينبهك أن صلاة العشاء أذن لها.. تفتح عينيك ؛ وأنت تشعر بالهدوء والسكينة ؛ لم تنم بهذه الطمأنينة من قبل ؛ وتهم للوضوء ... تخرج من الباب ؛ الذي دخلت منه .. تسأل أحد المصلين ؛ أين تتوضأ .. يصف لك المكان بدقة.. تأخذ تسرع الخطى؛ حتى لا تفوتك الصلاة - من بدايتها - النظافة والفخامة؛ تلفت نظرك... مكان الوضوء متسع جدًا؛ رغم أنك في العشرة الأيام الأخيرة من شهر رمضان إلا أن المكان يتسع للجميع.. تجد في الصنبور الماء: البارد، و الساخن ؛ لك أن تختار ما تحب .. تسبغ الوضوء ؛ لتلحق بالصلاة .. تحاول أن تعود إل المكان الذي تصلي فيه بداخل المسجد ؛ لكن أعداد المصلين كثر.. لم يكن أمامك إلا أن تصلي خارج المسجد..
تنتهي من صلاة العشاء .. تمكث بضع دقائق ؛ ثم ينادي لصلاة القيام .. تقف تصلي ...
عند سجودك؛ وتلامس جبهتك - المليئة بحبات العرق - الرخام البارد؛ يذهب عنك؛ شعورك بالتعب، والرطوبة المرتفعة..
بعد الركعة الثانية عشر ؛ تشعر بألم في ركبتك اليسرى ؛ لم تستطع أن تكمل ؛ حتى الركعة العشرين.. تسلم ؛ بعد الركعة الثانية عشر ؛ تعزم إلى الذهاب إلى الفندق ؛ كي ترتاح ؛ وتعد نفسك لصلاة الفجر ...

إنه يومك - الأول - بالمدينة المنورة؛ تحرص أن تأخذ بطاقة بها عنوان الفندق.. تخشى أن تتوه ولا تعرف العودة إلى مكان إقامتك.. تخرج البطاقة من جيب الجلباب ؛ تقرأ العنوان جيدًا.. تمشي وفقًا؛ لما هو مدون عليها؛ لكنك لم تصل إلى شيء.. تسأل أكثر من شخص يمر بجوارك ؛ عن العنوان .. لم يدلك سوى أحدهم ؛ تمشي مسافة طويلة .. تصل معه إلى المكان الذي يعرفه؛ يتضح أنه فندق آخر يتشابه معه في الاسم.. تعود من حيث أتيت .. تدخل ساحة المسجد النبوي الشريف .. تخرج منه .. تمشي في السوق المتاخم له ؛ لكنك لم تصل إلى طريق الفندق.. ماذا تفعل في هذه المتاهة ؟ .. يهديك؛ تفكيرك - المتعب - أن تدخل ساحة المسجد النبوي الشريف.. تقف عند الباب الذي دخلت منه ؛ تنتظر أحد زملاءك - في الرحلة - والذي تاه منك من زحمة المصلين ؛ داخل المسجد .. إذا خرج من هذا الباب تكون موفقًا ومحظوظًا..
تنتظر ؛ وتنتظر .. بدا عدد المصلين ، يقل رويدًا رويدًا .. بدأت تقلق ؛ لعدم خروج زميلك بعد...
بعد أن تفقد الأمل؛ تجده يهل عليك.. يتساءل عن السبب في انتظارك ؛ وعدم عودتك إلى الفندق ؛ لأنه تأخر ؛ لتمكنه من الصلاة في الروضة الشريفة .. تقص له ما حدث لك .. يحبس بيده ضحكته .. يشير براحة يده؛ أن الفندق على بعد خطوات من السوق المتاخم للمسجد النبوي الشريف.. تتعجب؛ قلت في نفسك؛ هذا جزاء عدم إتمام صلاة القيام؛ رغم أنك لم تكن متعمدًا عدم إكمالها..
تطلب من زميلك في الرحلة؛ أنك من كثرة المشي - من غير هدى – جوعان ؛ تحتاج أن تأكل.. يأخذك إلى أحد المحلات - المتخصصة في الأطعمة المشوية - تبتاع ما تريد..

صلاة الفجر ؛ لها عبقها .. تشعرك بالرهبة والوجل .. الهدوء؛ والظلمة - البادية في الأفق - تضفي عليك إحساسًا خاصًا.. صلاتها في المسجد النبوي الشريف؛ تزيد؛ هذا الإحساس؛ الذي يشمل كيانك..
تحاول؛ أن تقترب من قبر الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم؛ لكن الزحمة - الشديدة - من المصلين تحول دون تحقيق ما تبتغيه ..
تخرج من المسجد؛ تتأمل بناؤه..
تنظر إلى ساحته العامرة بالمصلين.. ترقب شروق الشمس ؛ وهو يبدأ في الأفق.. يذهب غبش الفجر.. تحمر صفحة السماء .. لحظات .. خيوط شمس الصباح؛ تزداد.. لا تستطيع أن تتحمل ألقها.. تمشي عائدًا إلى الفندق - بعد أن عرفت الطريق جيدًا -السعادة ؛ تملأ قلبك ؛ لصلاتك الفجر ؛ وترقبك طلوع الصبح في المسجد النبوي الشريف ..

ما كان، ينتابك في شهر رمضان؛ من شعور بالظمأ؛ والإرهاق، الشديد.. لم تحس به .. النشاط، والصفاء الذهني؛ هما سمة أيامك في المدينة المنورة..
فور سماعك؛ آذان الظهر؛ تقوم بالوضوء؛ والنزول مسرع من الفندق.. بعد الصلاة ؛ تجلس تقرأ في القرآن الكريم.. تقوم بقضاء ما فاتك من صلوات؛ حتى يحين موعد صلاة العصر...
بعد أن تنتهي من صلاة العصر؛ تقترح على زميلك أن تحاولا الذهاب إلى قبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم..
تقوم أنت وزميلك.. تتجهان إلى زيارة القبر..
المسجد النبوي الشريف ؛ متسع الأرجاء .. سجاجيده ؛ عالية الوبرة ؛ ناعمة الملمس.. تجد ماء زمزم مبرد في" ترمس " في كل أرجاء المسجد..
بدا عدد المصلين يقل.. تبتهج؛ أنك ستصل إلى قبره في هدوء ويسر.. لكنك ؛ تباغت بدخول أعداد غفيرة من المصلين ؛ من أحد الأبواب .. تضحى حركتك وزميلك صعبة – للغاية - ؛ تكاد تزحف بقدميك؛ خشية الوقوع.. تدفع إلى الأمام .. زميلك يمسك بذراعك.. الكل متلاحم ؛ يسعى للوصول إلى القبر..
الوقت ؛ يمر ببطء شديد.. بعد معاناة، ومقاومة الوقوع من شدة الازدحام.. يظهر الشباك النحاسي ؛ لقبر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.. وجيب قلبك؛ يرتفع؛ تشعر بضآلتك؛ كيانك يزلزل؛ تسلم عليه بكل ما يجيء على لسانك من كلمات .. تقرأ الفاتحة .. تسلم على أبي بكر الصديق ... تسلم على عمر بن الخطاب..
قبل أن تخرج من المسجد، تتجه للقبلة؛ تدعو الله؛ بما يحضرك من كلمات؛ تعبر عما يعتمل في نفسك... لا تشعر بمن يدفعك ؛ تقف ثابتًا ؛ مستغرقًا في ابتهالك إلى الله سبحانه .. تردد؛ بكل خلاياك: يا رب...
تخرج من باب " جبريل ".. يغسلك الضياء، والفرحة...

تصل الفندق ؛ تجد إعلانًا ؛ يحدد المزارات ؛ التي يعزم القيام بها في صباح الغد.. في الساعة الثامنة ...
.. بعد صلاة الفجر؛ لم تستطع النوم؛ تفكر في رحلة المزارات ؛ تخشي أن يفوتك الميعاد..
تركب الأتوبيس؛ تلاحظ نظافة الطرق؛ واتساعها..
يقف الأتوبيس أمام مسجد " قباء " - أول مسجد للمسلمين - تصلي ركعتين ؛ بخشوع.. بعد الصلاة ؛ تقف تتأمل لمسات التجديدات المعمارية ..
قبل أن تهم بصعود الأتوبيس؛ يختل توازنك.. تقع - بشدة - ترتطم ركبتك اليسرى بحرف الطوار.. نظارتك الطبية؛ تقفز من فوق أذنيك.. تقوم والألم ؛ يعصر ركبتك .. تلبس نظارتك؛ رغم كسر العدسة اليمنى؛ وتأثيرها على الرؤية .. يردد لسان حالك : الحمد لله ..
تذكرت وأنت تقف فوق جبل الرماة، ويحيطك - بشموخ - جبل أحد..
ما حدث للمسلمين؛ عندما لم يسمعوا؛ ما قاله الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد -؛ بالتزام الرماة في موقعهم ؛ لكنهم اهتموا بالغنائم..
تقترب من الساحة ؛ التي تضم شهداء أحد - حمزة بن عبد المطلب ، مصعب بن عمير و غيرهم رضى الله عليهم - تقرأ الفاتحة على أرواحهم الطاهرة ..
يفترش الأرض بعض الباعة .. يعرضوا للبيع : البخور ؛ الأحجار الخضراء ، الزرقاء ؛ السبح بأنواعها المختلفة ؛ وألوانها المتعددة.. يعجبك ؛ مجموعة من الأحجار ؛ تتأمل ألوانها ؛ وروعة تشكيلها .. تختار منها بعضها وتبتاعه ..
تبحث عن الأتوبيس ؛ لا تجده .. المكان صحراويًا غير معمور.. .. الحيرة والقلق تنتابك.. السيارات تمرق بسرعة .. حري بك أن تعبر الطريق المعاكس ؛ حتى يتسنى لك أن تجد سيارة.. تنتظر طويلاً.. أخيرًا؛ تجد مركبة بها مكان خال ؛ تصعد والتعب ؛ يعيك ..
كانت السيارة ؛ تقل ركابها إلى المسجد ذو القبلتين .. تسعد أنك؛ ستكمل مزاراتك؛ رغم ما حدث لك..
تشاهد القبلة المتجهة إلى المسجد الأقصى ؛ قبل تحويلها إلى المسجد الحرام.. تقوم بالتقاط صورة للمسجد ذو القبلتين؛ كتذكار؛ لهذه الزيارة..

وأنت تسجد في صلاة القيام - خارج المسجد - ؛ تطلب من الله -سبحانه - أن يوفقك ؛ أن تصلي في الروضة الشريفة - ما بين منبر وقبر الرسول عليه الصلاة والسلام - الزحام الشديد ؛ يمنعك من تحقيق ذلك ..
تنتهي من صلاة الوتر .. تجد ساقيك تأخذانك إلى داخل المسجد النبوي الشريف.. تمشي ، وتمشي.. لا تهتم بزحام المصلين..
يميز الروضة الشريفة سجاجيد خضراء اللون..
تجد نفسك في زمامها؛ بسجاجيدها المميزة؛.. الكل يزاحم؛ ليحظى بالصلاة..
تلفي تحت المنبر؛ عدد أقل من المصلين؛ تنتظر خروج أحدهم.. تقف تصلي ركعتين - رغم صغر المكان إلا أن المصلين كثر - تسجد؛ تزجي بهموم قلبك إلى الله سبحانه .. تدعو بكل خلاياك .. السعادة ؛ تسربلك ؛ لتمكنك الصلاة في الروضة الشريفة ..

لم تمكث في " المدينة المنورة " سوى ثلاثة أيام؛ وفي اليوم الرابع تسافر إلى " مكة "... كم كان يحزنك؛ أن تترك مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ بهذه السرعة ؛ لكن الزيارة مرتبطة بمواعيد محددة ؛ لا تستطيع أن تحيد عنها..
تحاول أن تزور قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ مرة أخرى؛ لكنك لم تستطع.. المصلين كثر؛ لدرجة أنه يستحيل أن تحرك قدميك إلى الأمام .. الكل يتراص؛ يتلاحم الأكتاف؛ يسير حثيثًا..
تخرج من أحد أبواب المسجد؛ التي تلمحها من وسط الزحام.. تقف أمام حائط قبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ من الخارج . . تقرأ الفاتحة ؛ تسلم عليه ؛ تستأذن السفر..

قبل السفر إلى مكة؛ تقوم بالاغتسال؛ والوضوء.. تخرج من حقيبتك؛ رداء الإحرام.. تلبسه ؛ تسري رعشة خفيفة في كيانك..
وأنت؛ تجلس في الأتوبيس؛ متجهاً إلى مكة ؛ تستغرق في قراءة الكتب - التي صحبتها معك من القاهرة - التي تسرد مناسك العمرة ؛ تعيش مع سطورها ؛ تسرح معها ؛ تأمل أن تغمض عينيك ؛ وتجد نفسك هناك ؛ تحضن الكعبة بخلاياك وجوانحك ؛ المشتاقة..
بعد ساعات طويلة ؛ تصل إلى " أبيار على " ؛ يقف الأتوبيس ؛ في ساحة للانتظار ؛ متسعة ، ومنظمة ..
تنزل من الأتوبيس .. النظافة سمة غالبة على المكان .. من يريد أن يغتسل؛ يجد الماء البارد ، والساخن.. الصابون.. كل ما يحتاجه المعتمر، أو الحاج ..
تتوضأ .. تنوي العمرة ، تصلي ركعتين..
في الطريق من ميقات - الإحرام - " أبيار علي " ؛ حتى الدخول إلى مكة.. يرتفع صوتك، و من معك في الأتوبيس:
" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك ، لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك "
تبدأ مشارف مكة، تلوح في الأفق؛ تفتح أحد الكتب؛ التي معك؛ تقرأ : " اللهم هذا حرمك وأمنك ، فحرمني على النار ، وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك ، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك "

.. تصل مكة في الساعة الواحدة صباحًا .. تضع حقيبتك في الحجرة .. تتوضأ ؛ تنزل من الفندق ؛ مع زملائك في الحجرة .. تتوجهوا إلى الكعبة المكرمة؛ وأنتم ترتدوا رداء الإحرام – الأبيض – .. تمشي بخطى؛ لهفة...
رغم طول الطريق؛ وزحمة: المارة، المعتمرين؛ السيارات؛ إلا أنك لم تشعر؛ بهذه المرئيات.. تفكر في مصافحة عينيك الكعبة الشريفة - لأول مرة - فرحة ؛ شوق ؛ إجلال ؛ مشاعر متداخلة ؛ تملأ جوانحك ... تدنو من ساحة الحرم المكي ؛ وجيب فؤادك ؛ يرتفع ؛ تحس بكيانك ؛ ينتفض .. العرق يتفصد من جبينك .. تذكر نفسك بالدعاء؛ وتكرره؛ حتى لا يروح منك من الرهبة...
تخطو أولى الخطوات ؛ داخل الحرم الشريف.. يأمك - في الدعوات - أحد زملاءك ؛ تكرر مايقوله.. وتدعو ما يمور في قلبك ..
تحضن روحك الكعبة المشرفة؛ نور، ضياء ؛ يغشي بصرك ... تحاول أن تجمع زمام نفسك؛ تقول ما حفظته من دعاء.. لسانك يتحرك ببطء ؛ يجف ريقك : " اللهم زد بيتك تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابة ورفعة وبرًا ، وزد يا رب من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتعظيمًا ومهابة ورفعة وبرًا "
تبوح بما تعتمل به نفسك ؛ ودعوت ما جاء على لسانك..
يا رب...
تبدأ الطواف حول الكعبة ؛ تتابع زميلك ؛ وهو يردد الدعاء.. تدعو ما يتيسر لك .. تسرع في الخطى في الشوط الأول.. تبدأ من الحجر الأسود ؛ وتشير له بيمناك ؛ لعدم استطاعتك أن تصل له...
تتم الشوط السابع .. لا تشعر بثمة إرهاق أو تعب..
تصلي ركعتين ؛ خلف مقام إبراهيم عليه السلام ..
تملأ مسامعك صوت حمائم الكعبة ؛ وهي تطوف حولها ؛ تلبي ؛ مثلك ..
ترفع بصرك؛ تلمحها ، تطوف بسرعة.. لا تكف عن التحليق والطواف .. سبحانك يا رحمن يا رحيم ..
تنزل الدرج؛ الذي يصلك إلى بئر زمزم.. جميع الصنابير مزدحمة.. تنتظر؛ أن تجد صنبوراً شاغراً... تخلع نظارتك؛ تغسل وجهك، رأسك ، ذراعيك ، ساقيك... تشرب، وتشرب من الماء العذب الزلال؛ وتدعو ما يعن على خاطرك.. مهما تشرب؛ لا تشعر بالرواء..
تتجه إلى الصفوة والمروة.. تردد ما يقوله زميلك .. وما يجيء على قلبك من دعاء .. تتم سبع أشواط.. تقصر شعرك ..
تحمد الله ؛ أنك انتهيت من مناسك العمرة ..

.. تعود إلى الفندق ؛ يؤثرك مشهد الحمائم ؛ وهي تحلق حول الكعبة .. تطوف؛ دون كلل أو توقف.. أسرابها، يتناغم صوتها، يرن في أذنيك...
إنها حمائم الكعبة؛ التي لا تبرح مكانها.. تطوف ، وتطوف .. سبحانك يا الله ..

.. في طريقك إلى الكعبة المباركة؛ لصلاة الظهر.. تجد الحمائم ؛ بأعداد كثيرة ، تقف على الأرض ؛ لا يعترضها أحد .. تلتقط الحب ؛ الذي يضعه الناس في ذهابهم وإيابهم .. ويحلقوا تحليقًا منخفضًا ؛ ثم يعودوا.. يلتقطوا الحب في سلام وآمان ..
.. تقعد أمام الكعبة .. تنتظر صلاة الظهر .. تتملى عينيك من ضيائها ، الأخاذ بلبك .. تذوب في النظر لها ..
الشمس حامية، لكن الجميع يحاولوا التمكن من القعود في مواجهتها..
.. تنتهي من الصلاة .. تطوف حول الكعبة ، تحية لها ..
لا تحيد بصرك عنها .. تجد منفذاً ؛ للاقتراب منها .. تمد راحتيك - بصعوبة - تحضنها بأناملك .. تدعو ما يجيء على خلدك .. السعادة تشملك؛ للمسك كساؤها الطهور.. تشم يديك ؛ تفوح منهما رائحة المسك والعنبر ..
.. يزداد الطائفين .. يتعذر عليك، أن تمكث الوقت الذي تبتغيه.. تمشي مضطراً ..
بعد الإفطار؛ بوقت قصير؛ تذهب إلى الكعبة؛ تصلي المغرب؛ أو تكون قد صليته؛ قبل نزولك..
تمتلئ الساحة الخارجية للحرم المكي بالمعتمرين ؛ الذين يفترشون الأرض ؛ عند باب ؛ " الملك عبد العزيز ".. تلاحظ ؛ أنهم لا يبرحوا أماكنهم؛ خشية أن يقعد أحد غيرهم.. تجد صعوبة بالغة ؛ حتى تستطيع أن تمر من خلالهم .. تحرص على خطواتك؛ كي لا تصيب أحدهم؛ بأذى..
تدخل المسجد الحرام ؛ من ناحية المصعد الكهربائي .. تصعد إلى الدور الثالث - سطح الحرم - يبهرك الاعتناء براحة المصلين.. السجاجيد- الفخمة - ماء زمزم المبرد.. النظام، والنظافة ... الأفق فوقك ..
الصلاة؛ في هذا المكان من الحرم المكي؛ له عبقه الخاص.. وإذا تسأل ما هو بالتحديد؛ لا تستطيع أن تجيب.. شعور ما يملأ جوانحك ؛ يسكن حبة القلب..
تصلي صلاة العشاء والتراويح ؛ تصغي لترتيل القرآن الكريم ؛ تأخذك القراءة ؛ بمضغة قلبك - بصوت الشيخ السديس والشريم - إلى حالة من الخشوع ؛ تتأمل المعاني... لا تشعر بمرور الوقت.. تسلم ؛ تحس براحة وطمأنينة ؛ كأنك جلوت صدًأ بفؤادك..
الزحمة شديدة ؛ تنتظر... حتى يخف الضغط على السلالم الكهربائية.. تقترب من سور السطح .. تطل على الكعبة المشرفة .. رغم ظلمة الليل إلا أنها ينبعث منها ضياء؛ يغشي كيانك.. تمتع بصرك، المشوق.. تفسح المكان؛ لغيرك..
تخطو إلى السلالم.. تجد أعداد المصلين؛ قد قل عددها.. تمسك في أفريز السلالم؛ تضع قدميك؛ تنزل في هدوء..
تجد الزحمة في الساحة المواجهة لباب؛ الملك عبد العزيز " - رغم اتساعها - ما زالت كما هي ؛ وما زالوا يفترشون الأرض.. يضايقون المصلين في الانصراف؛ للراحة ثم العودة؛ مرة أخرى.

.. تأمل، أن تشرب من صنابير " ماء زمزم " ، المواجهة ؛ لباب : " الملك عبد العزيز " .. تطالعك الزحمة، وإستئثار البعض، لملء الزجاجات البلاستيكية.. كل يوم تزداد الزحمة عن اليوم السابق..
تجد زجاجات " ماء زمزم " ، المعبأة تباع على الطوار ؛ خارج الحرم المكي .. يحدوك الشك ؛ في هذه العبوات .. تسأل أحد رجال الأمن في الحرم: هل العبوة ماء زمزم ؟ .. تدهشك إجابته : اشرب منها .. تذوقها ، وأنت تعلم .. هل هي ماء زمزم أم لا ؟!
.. عندما شربت من " ماء زمزم " ، المبرد ؛ في المسجد النبوي الشريف ، وتذوقته - لأول مرة - لم تعد تستسيغ سواه .. مهما تشرب منه .. لا تشبع أبدًا .. كلما تشرب كوبًا من الماء .. تدعو الله - سبحانه - ما يتبادر إلى ذهنك ..
.. كثر من أوصوك، أن تحضر لهم " ماء زمزم " ، الطهور .. تحاول أكثر من مرة ، أن تملأ زجاجة من الصنابير ، لكنك لم تفلح ؛ لتكدس المصلين ..

.. في الطريق من الكعبة إلى الفندق .. تجد ساحة لانتظار أتوبيسات سياحية .. جديدة الصنع..
.. تلمح، ماكينة " المياه الغازية " .. تضع ريالاً؛ تنزل لك العلبة ، مثلجة .. تروي ظمأك ..
.. الباعة، يفترشون الأرض.. يبيعون : الساعات ، الجلابيب ، الخضاب ، المفارش ، السبح ، البخور .. كل ما تريده يصادفك ..
.. تدخل محلات البقالة .. يلفت نظرك : أنواع الزبادي المختلفة : كامل الدسم ، منزوع الدسم ، المصنع من اللبن الجاف .. تبتاع كوبين من الزبادي ، وجبن أبيض ؛ لسحورك ..
.. التمر السعودي؛ له مذاق خاص .. تشدهك من كثرة أنواعه في المدينة المنورة ..
عندما تفطر بحبتين من التمر ، وكوب من الزبادي ، وماء زمزم ، تستطيع أن تصلي ؛ دون أن تشعر بانتفاخ المعدة ؛ والألم ..
تأخذ السعرات الحرارية، اللازمة؛ لصلاتك.. وبعد أن تعود تأكل ما تحب.

في يوم تأخرت - عشر دقائق - عن الوقت المعتاد لك ؛ للذهاب إلى الحرم المكي ؛ لصلاة العشاء.. لم تجد ثمة مكان خال .. الساحة – الواسعة – أمام باب : " الملك عبد العزيز " .. عامرة بالمصلين ؛ الذين يستعدون ؛ لإقامة الصلاة..
تتجه إلى السلالم الكهربائية.. تجدها متوقفة ؛ لامتلاء سطح الحرم بالمصلين .. تصاب بحيرة بالغة: ماذا تفعل ؟ .. تهتدي إلى الصعود إلى الدور الثاني.. لا منفذ لقدم ..
تلمح بابًا ؛ يفتح.. تفرح ؛ لعله يصلك إلى الدور الثالث ..
تفاجأ ؛ أن هذا الباب يفضي بك إلى السلالم الكهربائية ؛ لكنها تتحرك إلى أسفل ؛ وليس الصعود ؛ لمنع صعود عدد أكبر من المصلين ؛ بعد امتلاء سطح الحرم.. لم يكن أمامك إلا أن تقفز السلالم ؛ وهي تتحرك بطريقة عكسية.. تجري ؛ وتجري.. يغسلك العرق .. شهيقك، وزفيرك يتلاحقان.. وجيب فؤادك ؛ يرتفع بشدة.. قبل أن تصل إلى السطح - بثوان - تجد عضلاتك؛ لم تعد تتحمل المجهود .. بدأ يشملك الإعياء..
تجد من يمد يده لك .. تقبض عليها ؛ ببقايا قوتك..
في أثناء الصعود ؛ عكس حركة السلالم الكهربائية .. يقع بعض المصلين ؛ لعدم تحملهم الجري ، المستمر .. تحمد لله؛ أنه لم يصب أحد بضرر ما..
سعادتك؛ غامرة .. أخيرًا ؛ تجد مكانًا للصلاة ..

في الخمسة أيام الأخيرة من شهر رمضان ؛ تزدحم مكة ازدحامًا شديدًا.. الكل يسعي للصلاة في الكعبة المشرفة . . تغتنم؛ نفحات الشهر الكريم..
إذا لم تذهب مبكرًا؛ قبل كل صلاة؛ لن تستطيع الصلاة وقوفًا.. يوم ختام القرآن الكريم ؛ تخشي ألا تجد مكانًا للصلاة..
تفطر .. تصلي المغرب .. تذهب إلى الكعبة ؛ قبل أن ينادى على صلاة العشاء .. تصعد إلى الدور الثالث.. تقام صلاة العشاء .. تصلي السنة .. تدخل في ملكوت صلاة القيام.. تصغي إلى السور الأخيرة من الجزء الثلاثين.. رعشة تسري في كيانك .. يبدأ دعاء القنوط.. كل خلاياك تؤم ما يدعوه الإمام.. ترفع يديك إلى الله - جل شأنه - تهتز فرائصك.. تغرورق عينيك بالدمع .. تسيل على خديك .. يا رب .. يا الله .. تسجد .. تدعو بذرات نفسك.. تفيض ما في قلبك..

بعد صلاة القيام ؛ تمكث في حجرة الفندق .. لا تستطيع أن تقيم صلاة التهجد.. ركبتك اليسرى ؛ تؤلمك كثيرًا.. وفي أحايين تشعر- في الصلاة - أنها تتمزق من شدة الألم.. تمتثل ؛ وتقعد على الأرض ؛ تكمل صلاتك .. يضايقك ؛ عدم وقوفك ؛ لكن لا حيلة أمامك ..
يصر - مرة - أحد المصلين ؛ أن تسجد على عباءته .. تسامح وأريحية متفردة ..
تسمع : صوت ؛ يخربش في خصاص النافذة .. تطل منه .. تجد الأمطار ؛ تهطل بغزارة..
تحب أن تتابع الأمطار .. إنها رخات خير..
عشر دقائق .. تجد الشوارع مغسولة من المطر ؛ ولا أثر له ..

.. في اليوم الثلاثين من شهر رمضان .. تصعد الدور الثاني من الحرم المكي ..
تبدأ الزحمة، تقل بعد ختام القرآن الكريم، وسفر كثر من المعتمرين ..
تقترب من السور الذي يطل على الكعبة المشرفة .. تصلي المغرب والعشاء .. تبصرها أمامك.. ضيائها ، يؤثرك .. يأخذ بتلابيب روحك وعقلك .. تتمنى، أن تكون كل صلاتك أمامها..
.. في الساعة الواحدة صباحًا .. تستطيع أن تملأ زجاجة من ماء زمزم ؛ بعد أن سافر - الغالبية - إلى بلاده، وأصبحت الزحمة على الصنابير معقولة..

في فجر عيد الفطر ؛ تذهب إلى الكعبة ؛ فور الآذان ... تخشى ألا تجد مكاناً للصلاة... يجتمع - في هذه اللحظة - أكثر من مليوني مصلي في الحرم المكي..
تجد المصلين ، يملأوا الساحة ؛ المواجهة ؛ لباب : " الملك عبد العزيز " .. تتجه للصلاة في الدور الأرضي للحرم المكي .. السجاجيد ، تفترش الأرض .. المراوح الحائطية ، والتكييف ؛ يزدان بها المكان.. تصلي سنة الفجر .. تصلي الصبح..
تقعد؛ وتردد مع المصلين: "" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك ، لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك "
تقيم صلاة العيد .. تخرج من الدور الأرضي.. يطالعك، تكدس المصلين؛ الخارجين من الصلاة.. زحام شديد؛ تتحرك بصعوبة بالغة.. تشعر؛ وكأن الأكسجين ؛ سحب من فضاء الشارع.. تمشي على حرف الطوار .. المكان - الوحيد - الشاغر.. تصل إلى الفندق منهكًا..
تصحو على صلاة الجمعة .. تتوضأ ؛ تذهب إلى الكعبة المشرفة ؛ تتملى منها ؛ قبل أن تسافر ..
تصلي في الدور الثاني ..
الحرم المكي – في جميع أدواره – عامر بالمصلين.. تجد مكانًا للقعود.. تصغي إلى خطبة الجمعة .. تصلي ؛ وتخرج عائدًا إلى الفندق ..
تمكث في حجرتك بالفندق.. تنظم حقيبتك .. تراجع على متعلقاتك ؛ حتى لا تنس شيئًا.. لم تكن ابتعت كل ما تريده .. فجأة ؛ تعلم أن الأتوبيس ؛ الذي سيقلك إلى المطار .. يقف أمام الفندق .. يصيبك ؛ حالة من الحيرة ؛ لكنك تمتثل .. تحمل حقيبتك ؛ تضعها في الأتوبيس ..
يتجه بك الأتوبيس إلى جدة ؛ لمطار " الملك عبد العزيز الدولي ".. لكن السائق ؛ لا يعرف الطريق إلى المطار .. بدأ الوقت يمر ؛ دون الاستهداء إلى المطار.. اقترح أحد الزملاء ؛ أن يستدل بأحد التاكسيات ..
توقف الأتوبيس ؛ يهبط أحد الزملاء .. يركب "تاكسي " ؛ يسير أمام الأتوبيس ؛ كي يتابعه السائق.. تصل إلى المطار.. تقف في طابور الجمرك .. تزن حقيبتك ؛ لم يكن ثمة وزن زائد.. تقف للدخول إلى صالة المطار..
تجد أن التعليمات ؛ تستلزم ؛ أن يقوم المسافر ؛ بتغليف الزجاجات ؛ التي يحملها ؛ حتى لو كان يضعها في حقيبة بلاستيكية ، محكمة .. تخرج من طابور الدخول إلى صالة السفر .. تتجه إلى طابور آخر ؛ لتغليف زجاجة ماء زمزم .. تدفع خمسة ريالات مقابل التغليف .. تذهب إلى صالة المغادرة ؛ تجد زملاءك ؛ قد انتهوا من الإجراءات .. تسارع بالدخول؛ مخافة ألا تلحق بالطائرة .. تركب أتوبيسًا ؛ يقلك إلى الطائرة .. تصعد؛ وتكون – آخر- مسافر يركب..
تجلس في كرسيك ؛ وتنداح الذكريات الجميلة ..



ليست هناك تعليقات: